كمال الدين دميري

56

حياة الحيوان الكبرى

أبو بكر بن العربي المالكي الإمام العلامة : ليس للَّه تعالى خلق أحسن من الإنسان ، فإن اللَّه تعالى خلقه حيا عالما قادرا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما ، وهذه صفات الرب جل وعلا وعنها وقع البيان بقوله صلى اللَّه عليه وسلم : « إن اللَّه تعالى خلق آدم على صورته يعني « 1 » على صفاته ، التي قدمنا ذكرها . قلت : وهنا مجال رحب لأصحاب الكلام في أصول الدين أضربنا عنه ، إذ ليس هو من غرضنا في هذا الكتاب . وروى أبو بكر المتقدم ذكره ، بإسناده أن موسى بن عيسى « 2 » الهاشمي ، كان يحب زوجته حبا شديدا فقال لها يوما : أنت طالق ثلاثا ، إن لم تكوني أحسن من القمر ، فاحتجبت عنه ، وقالت : طلقت . فبات بليلة عظيمة ، فلما أصبح أتى المنصور وأخبره بذلك ، فاستحضر الفقهاء ، وسألهم عن ذلك ؟ فأجاب كل منهم بالطلاق ، إلا واحدا منهم ، فقال : لا تطلق لقوله تعالى « 3 » : * ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) * . فقال المنصور : الأمر كما ذكرت ، ثم أرسل إلى زوجته بذلك . وهذا الجواب ينقل عن الإمام الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه ، وعندي في قوله : موسى بن عيسى نظر ، والذي أظنه أنه عيسى بن موسى فإنه كان ولي عهد المنصور ، ثم خلعه من ولاية العهد لولده المهدي ، وقد تقدم أن الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه ، ولد في سنة خمسين ومائة ، والمنصور كانت وفاته على ما ذكره ابن خلكان وغيره في سنة ثمان وخمسين ومائة ، فكيف يتصور أن يكون الشافعي المفتي في هذه الواقعة ؟ فليتأمل ذلك . قلت : وقد أذكرتني هذه الحكاية ، ما ذكره الزمخشري ، عند قوله « 4 » تعالى : * ( ويَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ ) * أن عمران بن حطان « 5 » الخارجي كان شديد السواد ، وكانت امرأته من أجمل النساء ، فأطالت نظرها في وجهه يوما وقالت : الحمد للَّه فقال : ما لك ؟ فقالت : حمدت اللَّه تعالى على أني وإياك في الجنة . قال : كيف ؟ قالت : لأنك رزقت مثلي فشكرت ، ورزقت مثلك فصبرت وقد وعد اللَّه عباده الصابرين والشاكرين الجنة . وذكر « 6 » ابن الجوزي في الأذكياء وغيره أن عمران بن حطان هذا كان أحد الخوارج ، وهو القائل يمدح عبد الرحمن بن ملجم لعنهما اللَّه على قتل علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه : يا ضربة من تقى ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوما فأحسبه أوفى البرية عند اللَّه ميزانا

--> « 1 » رواه ابن حنبل : 3 / 244 ، 251 ، 315 ، 323 ، 434 ، 463 . ورواه البخاري في الاستئذان : 1 . ومسلم في البر : 115 والجنة : 28 . « 2 » هو موسى بن عيسى بن محمد العباسي الهاشمي من الولاة ، وكان جوادا عاقلا ، مات سنة 183 ه . « 3 » سورة التين : الآية 4 . « 4 » سورة النساء : الآية 127 . « 5 » هو عمران بن حطان بن ظبيان السدوسي ، من رؤوس الصّفرية من الخوارج خطيب وشاعر . مات سنة 84 ه . « 6 » الأذكياء : 210 .